هاشم معروف الحسني

284

سيرة المصطفى ( ص ) ( نظرة جديدة )

ومن المعلوم ان تحويل القبلة من جهة بيت المقدس إلى جهة الكعبة بعد أربعة عشر عاما ونصف على مبعثه من الحوادث الدينية التي شاع امرها واشتهرت بين العرب في خارج المدينة وتناقلها الناس بسرعة خاطفة إلى أن بلغ خبرها مكة وجوارها . ومن غير المعقول ان يسكت اليهود والمشركون في المدينة وجوارها عن هذا التشريع ، وقد وجدوا فيه مجالا للدس ومحاولة ناجحة لتشكيك المغفلين والمرتابين ، وقد تراجع جماعة عن الاسلام بسبب تلاعب المنافقين والمشركين في عقولهم بعد هذا الحادث ، كما جاء في رواية ابن جريج « 1 » من غير المعقول ان يسكتوا عن هذا التشريع ، أولا لأنه أبطل التشريع الأول الذين كانوا يفخرون به ويتباهون باتباع محمد لقبلتهم في صلاته التي هي من أعظم أركان شريعته . وثانيا فلأنهم مفطورون على الدس والكذب والتشويش على جميع الأديان والشرائع والمثل ، ولا يفوتهم ذلك إذا وجدوا سبيلا إليه ، في حين ان محمدا ( ص ) حينما دخل المدينة أراد ان يتقي شرهم فحاول في معاهدته التي وضعها ان يجعل من سكان المدينة وجوارها على اختلاف اتجاهاتهم وحدة متراصة ، وأعطاهم ما للمسلمين من الحقوق والواجبات ، وأكد لهم ضمانة حرياتهم ومعتقداتهم وعاهدهم على ضمانة تلك الحريات والدفاع عنها إذا اقتضى الأمر ما داموا مسالمين يحترمون ما لغيرهم من الحقوق والواجبات كما تشير إلى ذلك الوثيقة التي أوردناها قبل الحديث عن تحويل القبلة . ومع أن النبي ( ص ) خطط لهذه الغاية وعاهدهم على ذلك ، فقد نقضوا عهده وتجاهلوا تلك الوثيقة ولما تمض عليها أشهر قليلات وبدءوا يدسون ويتعاونون مع المشركين والمنافقين ولا يتركون وسيلة من وسائل الكيد

--> ( 1 ) انظر الرازي جزء 2 ص 117 .